وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها صحيح، وليس من السور ما يجري في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
الثالث: ظن ابن مسعود أنهما دعاء تعَّوذ به، وليستا من القرآن.
قال ابن قتيبة: وسببه في تركه إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوذ بهما الحسن والحسين ويعوذ غيرهما، كما كان يعوذهما بأعوذ بكلمات الله التامة؛ فظن أنهما ليستا من القرآن فلم يثبتهما في مصحفه.
ويدل على ذلك: عن علقمة عن عبد الله، أَنَّهُ كَانَ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمُصْحَفِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَكَانَ عَبْدُ الله لَا يَقْرَأُ بِهِمَا.
الرابع: أنه خفي عليه التواتر، وأن مخالفته لا تقدح في التواتر.
قال الزرقاني: إننا إن سلمنا أن ابن مسعود أنكر المعوذتين وأنكر الفاتحة؛ بل أنكر القرآن كله فإن إنكاره هذا لا يضرنا في شيء؛ لأن هذا الإنكار لا ينقض تواتر القرآن، ولا يرفع العلم القاطع بثبوته القائم على التواتر. ولم يقل أحد في الدنيا إن من شرط التواتر والعلم اليقيني المبني عليه ألا يخالف فيه مخالف وإلا لأمكن من هدم كل تواتر، وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يخالف فيه مخالف ولو لم يكن في العير ولا في النفير.
قال البزار: وَهَذَا الْكَلامُ لَمْ يُتَابِعْ عَبْدَ الله عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلاةِ وَأُثْبِتَتَا فِي الْمُصْحَفِ.
ولا شكَّ أن إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافٍ في الردِّ على هذا الطعن، ولا يضرُّ ذلك الإجماع مخالفة ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعودٍ وتخطئة الصحابة كلهم؛ بل الأمة كلها.
الخامس: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما.