ثم ذكر سبحانه أن إرسال هذا الرسول فضل منه ورحمة فقال: {ذَلِكَ} ؛ أي: إرسال هذا الرسول إلى البشر مزكيًا مطهرًا لهم هاديًا معلمًا {فَضْلُ} من {اللَّهِ} سبحانه وإحسان منه إلى عباده، يعطيه من يشاء ممن يصطفيه من خلقه بحسب ما يعلمه من استعداده وصفاء نفسه، وهو أعلم حيث يجعل رسالته. وهو سبحانه ذو الفضل العظيم عليهم في جميع أمورهم، في دنياهم وآخرتهم، في معاشهم ومعادهم، فلا يجعلهم في حيرة من أمرهم، تنتابهم الشكوك والأوهام ولا يجدون للخلاص منها سبيلًا، ولا يجعل قويهم يبطش بضعيفهم ويغتصب أموالهم، ويسعى في الأرض بالفساد، ويهلك الحرث والنسل، فيكون العالم ككرة تتقاذفها أكف اللاعبين، فهو أرحم بعباده من أن يتركهم سدًى هملًا ولا صلاح لهم في دين ولا دنيا، انتهى.
5 -ثم ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلًا، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} ؛ أي: كلفوا القيام بها والعمل بما فيها، وهم اليهود {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} ؛ أي: لم يعملوا بما في تضاعيفها من الآيات التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واقتنعوا بمجرد قراءتها {كَمَثَلِ الْحِمَارِ} :
{الكاف} : فيه زائدة كما في"الكواشي". والحمار: حيوان معروف يعبر به عن الجاهل، كقولهم: هو أكفر من الحمير؛ أي: أجهل؛ لأن الكفر من الجهالة. فالتشبيه لزيادة التحقير والإهانة، ولنهاية التهكم والتوبيخ بالبلادة؛ إذ الحمير تذكر بها. والبقر وإن كان مشهورًا بالبلادة إلا أنه لا يلائم الحمل. ولقد أجاد من قال:
تَعَلَّمْ يَا فَتَى فَالْجَهْلُ عَارٌ ... وَلَا يَرْضَى بِهِ إِلَّا حِمَارُ
أي: صفتهم العجيبة كصفة الحمار حال كونه {يَحْمِلُ أَسْفَارًا} ؛ أي: كتبًا كبارًا من العلم، يتعب بحملها ولا ينتفع بها. قال ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل، فهكذا اليهود. والأسفار: جمع سفر - بكسر السين - وهو: الكتاب الكبير، كشبر وأشبار. وجملة {يَحْمِلُ} في محل نصب على الحال أو صفة للحمار، إذ ليس المراد به حمارًا معينًا فهو في حكم النكرة، كما في قول الشاعر: