{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} القرآنية، مع كونه أميًا لا يقرأ ولا يكتب ولا تعلم ذلك من أحد. والجملة صفة لـ {رَسُولًا} ، وكذا قوله: {وَيُزَكِّيهِمْ} قال ابن جريج ومقاتل؛ أي: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب. وقال السدي: يأخذ زكاة أموالهم. وقيل: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان. {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} : هذه صفة ثالثة لـ {رَسُولًا} . والمراد بالكتاب: القرآن وبالحكمة: السنة، كذا قال الحسن. وقيل: الكتاب: الخط بالقلم، والحكمة: الفقه في الدين، كذا قال مالك بن أنس. {وَإِنْ كَانُوا} ؛ أي: وقد كانوا {مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل بعثه فيهم {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . وخطأ ظاهر، وشرك بيّن، وذهاب عن الحق.
وقوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} والفرق بين التلاوة والقراءة: أن التلاوة قراءة القرآن متتابعة كالدراسة، والقراءة أعم؛ لأنها جمع الحروف باللفظ لا إتباعها. وقوله: {وَيُزَكِّيهِمْ} ؛ أي: يحملهم على ما يصيرون به أزكياء من خبائث العقائد والأعمال. وفيه إشارة إلى قاعدة التشريع، فإن المزكي في الحقيقة وإن كان هو الله تعالى كما قال: {بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} ، إلا أن الإنسان الكامل مظهر الصفات الإلهية جميعًا، ويؤيد هذا المعنى: إطلاق نحو قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} ، وقوله: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} . قال بعضهم: {الْكِتَابَ} ؛ أي: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ} ؛ أي: الشريعة، وهي ما شرع الله لعباده من الأحكام. وقيل: {الْكِتَابَ} ؛ أي: لفظه، {وَالْحِكْمَةَ} ؛ أي: معناه. وإنما وسط بين التلاوة والتعليم بالتزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصلة بالعلم المترتب على التلاوة، مع أن التعليم مترتب في الوجود على التلاوة للإيذان بأن كلًّا من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر، فلو روعي ترتيب الوجود .. لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزًا إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة.