أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر اللَّه - تعالى - منهم في ناحية المسلمين: (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ) ، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما أظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون في أهل الكتاب.
والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة؟ كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) : فأخبر اللَّه - تعالى -: أنهم يتربصون العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) .
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يقول: (بَأْسُهُمْ) ، يعني: قوتهم (بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) ، ما لم يروا أعداء ظاهرة.
أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذلك في أهل قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) .
لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك معنى قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) ، يعني: في الهمم والقلوب.