وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال:"أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصابني الجهد."
فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله ، فقام رجل من الأنصار (هو أبو طلحة) فقال: أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله لا تدَّخريه شيئاً ، فقالت: والله ما عندي إلا قُوتُ الصِبية.
قال: فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة.
فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنككِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل.
فقعدوا وأكل الضيف.
وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير ، قيل: نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك.
وجملة {ولو كان بهم خصاصة} في موضع الحال.
و {لو} وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يُظنّ حصول الجواب عند حصولها.
والتقدير: لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيُعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع.
وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: {فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} في سورة [آل عمران: 91] .
والخصاصة: شدة الاحتياج.
وتذكير فعل كان لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقياً ، ولأنه فُصل بين {كان} واسمها بالمجرور.
والباء للملابسة.
وجملة {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} تذييل ، والواو اعتراضية ، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح.
وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} .