وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المسْجِدَيْنِ كَما تَأْرِزُ الحيَّةُ فِي جُحْرِهَا".
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض -رَحِمَهُ الله-: فِي قَوْله: (غَرِيبًا) رَوَى اِبْن أَبِي أُويس عَنْ مَالِك -رَحِمَهُ الله- أَنَّ مَعْنَاهُ فِي المَدِينَة، وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ بها غريبًا وسيعود إليها. قال القاضي: وظاهر الحديث العموم، وأن الإسلام بدأ فِي آحَاد مِنْ النَّاس، وَقِلَّة ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ، ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْص وَالْإِخْلَال، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا فِي آحَاد وَقِلَّة أَيْضًا كَمَا بَدَأَ.
وعَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"خَيْرُ النَّاسِ قَرْني ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"..."."
قال ابن عبد البر: وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر، كانوا عند ذلك أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمن، كما زكت أعمال أوائلهم (6) .
ثم قال: وهذا من الإيمان والعمل الصالح في الزمن الفاسد الذي يرفع فيه العلم والدين من أهله، ويكثر الفسق، والهرج، ويذل المؤمن، ويعز الفاجر، ويعود الدين غريبًا كما بدأ، ويكون القائم فيه بدينه كالقابض على الجمر، فيتسوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية، والله أعلم.
قال الملا علي القاري:"فطوبى للغرباء"المتشبثين بذيله، يعني: المسلمين الذين في أوله وآخره لصبرهم على الأذى، وقيل: المراد بالغرباء: المهاجرون الذي هاجروا إلى الله.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ (2) ، وقال: وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل الإسلام.