وقال ابن قتيبة: أراد بقوله:"إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا"أن أهل الإسلام حين بدأ قليل، وهم في آخر الزمان قليل إلا أنهم خيار.
وقال ابن رجب: يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عياض بن حمار -رضي الله عنه- الذي أخرجه مسلم:"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (5) .
ومعنى ذلك كما لا يخفى أنه بدأ غريبًا لا يعرفه إلا القلائل، ثم انتشر وعز بحمد الله على الأديان كلها، ثم عاد غريبًا بسبب اختلاف الناس واتباع الأهواء وقلة العلم.
وفحوى هذه الأحاديث أن دين الإسلام الذي خرج من مهده الحجاز وانبسط في الأرض
فاتحًا مصلحًا- سوف يغلب على أمره ويضطهد أهله بتداعي الأمم عليهم؛ حتى يضطر إلى الانقباض والأُرُوز إلى وطنه الأصلي به وهو الحجاز، فيعتصم فيه ويكون معقلًا وملجأً، وهذا النبأ النبوي الذي يعد من أظهر أنباء الغيب يصدق بدين الإسلام نفسه وبرجاله وأنصاره.
وفي الحديث بيان مبدأ الإسلام وأنه بدأ غريبًا بين الأديان، وكان أهله غرباء بين الناس، وكان المستجيب له غريبًا بين أهله وعشيرته يؤذى بسبب ذلك، ويفتن في دينه ويعادى على ذلك، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله، مطيعين لأوامر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، حتى قوي الإسلام واشتد عوده في المدينة؛ فزالت غربته عندما انتشر في أرض العرب، وكان أهله هم الظاهرين على من ناوأهم، وسيعود الإسلام غريبًا كما بدأ (كما هو حال زماننا هذا) لقلة المتمسكين به، وهذه الغربة تزداد شيئًا فشيئًا بسبب دخول فتنة الشبهات والشهوات على الناس.
قال ابن القيم: فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون؛ ولقلتهم في الناس جدًّا سموا غرباء؛ فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا؛ فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين.