قال ابن عبد البر: على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري.
ويستدلون بالآتي:
1 -من القرآن: قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (المائدة: 6) ، فالآية بينت أن الجنب وجب عليه التطهير، ولم تفرق بين الجماع بإنزال أو بدونه. والطهارة هنا لا تكون إلا بالغسل.
قال الشافعي: وذكر الشافعي: أن كلام العرب يقتضى أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وأن لم يكن معه إنزال؛ فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة، عقل أنه أصابها وأن لم ينزل.
قال ابن رجب: إن المجامع وإن لَم ينزل يسمى جنبًا ومجامعًا وواطئًا، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ، والغسل مِن جملة الأحكام. وهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف: أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل؟، وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين.
2 -من السنة:
عن أبى مُوسَى الأشعري: قَالَ اخْتَلَفَ في ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ
الأَنْصَارِيُّونَ: لا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلاَّ مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الماءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبو مُوسَى: فَأنا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَأُذِنَ لي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ -أَوْ يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ- إني أُرِيدُ أَنْ أَسْألَكِ عَنْ شيء وإني أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْىِ أَنْ تسألني عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ التي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أنا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ. قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:"إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ".