فعند البخاري: جاريتان من جواري الأَنصار تُغَنِّيان بما تَقَاوَلَتْ به الأنصار يوم بُعَاث، قالت: ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين."وعند مسلم بلفظ"تلعبان بدف"."
قال أحمد: المراد بالدف هنا دف العرب؛ وهو مدور على شكل الغربال خلا أنه لا خروق في جلده، ولا جلاجل فيه، وأما دف الملاهي فهو مدور جلده من رِق أبيض ناعم فيه جلاجل يسمى بالطار له صوت يطرب لحلاوة نغمته، وقال: (ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين) يعني لم تتخذا الغناء صناعة وعادة، ولم يكن معهما مزمور غير أصواتهما.
وقال أبو الحسن السندي: قوله: (جاريتان) الجارية في النساء كالغلام في الرجال يقعان على من دون البلوغ فيهما.
وقال الإمام النووي: هَذَا الْغِنَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَة، وَالْقَتْل، وَالحذْق فِي الْقِتَال وَنَحْو ذَلِكَ، مِمَّا لَا مَفْسَدَة فِيهِ، بِخِلَافِ الْغِنَاء المشْتَمِل عَلَى مَا يَهِيج النُّفُوس عَلَى الشَّرّ، وَيَحْمِلهَا عَلَى الْبَطَالَة وَالْقَبِيح. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا بِما هُوَ مِنْ أَشْعَار الحرْب، وَالمُفَاخَرَة بِالشَّجَاعَةِ، وَالظُّهُور وَالْغَلَبَة، وَهَذَا لَا يُهَيِّج الجوَارِي عَلَى شَرٍّ، وَلَا إِنْشَادهمَا لِذَلِكَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلِف فِيهِ، وإِنَّمَا هُوَ رَفْع الصَّوْت بِالْإِنْشَادِ، وَلهذَا قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنّيَتَيْنِ؛ أَيْ
لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ المُغَنِّيَات مِنْ التَّشْوِيق، وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ، وَالتَّشْبِيب بِأَهْلِ الْجَمال، وَمَا يحرِّك النّفوس، وَيَبْعَث الْهَوَى وَالْغَزْل، كَمَا قِيلَ (الْغِنَاء فِيهِ الزِّنَا) (1) ، وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنْ اِشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاء الَّذِي فِيهِ تَمْطِيط، وَيمْسِير، وَعَمَل يحرِّك السَّاكِن، وَيَبْعَث الْكَامِن، وَلَا مِمَّنْ اِتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَة وَكَسْبًا.