فمعلوم أن الناس ليسوا سواء في قدراتهم (العقلية والبدنية) ، فهم متفاوتون من شخص لآخر، ولكل واحد منهم الجواب الذي يصلح له (فقدم في كل مقام ما يليق به أو بهم) .
وهذا يدل على فصاحته وبلاغته -صلى الله عليه وسلم- حيث أنه يجيب السائل بما يفيده، وبما يصلح له، وبما يستطيعه وما يتناسب معه، ليكون ذلك تشريعًا لصحابته الكرام، وللأمة الإسلامية جميعها.
الوجه الثاني: اختلاق أفضلية العمل من وقت لآخر.
ففي الحديث الأول: ذكر الإيمان ثم الجهاد ثم الحج ولم يذكر:"الصلاة على وقتها"فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلي القيام بها -أي: الصلاة- والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل.
فإن قيل: كيف قَدَّمَ بِرَّ الوالدين على الجهاد في الحديث الثاني قال العلماء: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدما عليه.
وأما تقديم الجهاد وهو ليس بركن على الحج وهو ركن فذلك لأن نفع الحج قاصر غالبًا، ونفع الجهاد متعد غالبًا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه فقدم.
قال ابن الملقن: قدم الجهاد في هذا الحديث على الحج مع أن الحج أحد الأركان والجهاد فرض كفاية؛ لأنه قد يتعين كما في سائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعين لا يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه مدة واحدة فقط، فإن قابلت واجب الحج بتعيين الجهاد وكان الجهاد أفضل لهذا الحديث، ولأنه شارك الحج في الفرضية، وزاد عنه بتعدي نفعه إلى سائر الأمة، ولكونه ذبًا عن بيضة الإسلام، لكونه بذلًا للنفس والمال وغير ذلك، وإن قابلت نفل الحج، بغير متعين كان الجهاد أفضل لا ذكرناه، ولأنه يقع فرض كفاية وهو أفضل بلا شك.
بل قال إمام الحرمين: فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين؛ من حيث أن يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولا شك في عظم موقع ما هذه صفته.