قال ابن حجر: حكي ابن التين: أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين.
قال ابن عبد البر: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم لا يثنون على أحد إلا بالصدق، ولا يمدحون إلا بالحق لا لشيء من أعراض الدنيا: لشهوة أو عصبية أو تقية ومن كان ثناؤه هكذا يصح فيه هذا الحديث وما كان مثله. والله أعلم.
الوجه الثالث: لا بد أن يكون لثناء الأمة على أمواتها فائدة، وثناء الأمة إلهام من الله.
قال ابن حجر: ونقل الطيبي عن بعض شراح المصابيح قال: ليس معنى قوله:"أنتم شهداء الله في الأرض"أن الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس، بل معناه أن الذي اثنوا عليه خيرًا رأوه منه؛ كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة وبالعكس، وتعقبه الطيبي بأن قوله:"وجبت"بعد الثناء، حكم عقب وصفًا مناسبًا فأشعر بالعلية، وكذا قوله:"أنتم شهداء الله في الأرض"لأن الإضافة فيه للتشريف لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم؛ فينبغي أن يكون لها أثر، قال: وإلى هذا يومئ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] .
قال النووي: إذا ألهم الله عز وجل الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء، لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا، وإن كان عدلًا للعداوة، والبشر غير معصومين وقوله - صلى الله عليه وسلم:"أنتم شهداء الله"ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي له فائدة.
ثم إن ثناء الناس بالخير أو الشر هو بمشيئة الله تبارك وتعالى كما ذكرنا في كلام النووي سابقًا.
وكذلك جعل الله عز وجل الملائكة شهداء في السماء كما جعل له شهداء في الأرض.