قال النووي: وأما معناه ففيه قولان للعلماء:
أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، فكان ثناؤهم مطابقًا لأفعاله فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادًا بالحديث.
والثاني: وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضى ذلك أم لا، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله عز وجل الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء.
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"وجبت، وأنتم شهداء الله"ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - له فائدة فإن قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في النهي عن سب الأموات؟.
فالجواب: أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرًا كان مشهورًا بنفاق أو نحوه مما ذكرناه.
قال ابن حجر: فيه بيان لأن المراد بقوله:"وجبت"أي الجنة لذي الخير والنار لذي الشر،
والمراد بالوجوب الثبوت إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله لا يُسأل عما يفعل، وفي رواية مسلم"من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة"، وهو أبين في العموم من رواية آدم عليه السلام وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب أطْلَع الله نبيه عليه؛ وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به.
قوله:"أنتم شهداء الله في الأرض"أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان.
الوجه الثاني: الشهادة المقبولة من الناس على الميت خاصة بالثقات المتقين فقط.