الجن 9. وهذه واحدة من ميزات رسالته صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول الله صينَ سر السماء جُلُّه. وبعده صلى الله عليه وسلم صِينَ سرُّ السماء كلُّه. قبل رسول الله كان الجن يصعدون في السماء يسترقُون السمع، ويلتقطون بعض كلام الملائكة، ثم يوحونه إلى أوليائهم من شياطين الإنس، كما قال سبحانه
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}
الأنعام 121. ثم يخبرون الناس بما علموا، ويدَّعُون أنهم يعلمون الغيب، وفعلاً تأتي الأحداث كما أخبروا، فيغشُّون الناس ويخدعونهم ويفتنونهم لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يفضح الجن في هذه المسألة، فقال {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ..} سبأ 14 أي على سليمان، وكلمة قَضَيْنَا تعني أن الموت قضاء، لا مندوحة عنه، ولا يترتب على سبب من مرض أو كِبَر أو غيره، وكما قُلْنا والموت من دون أسباب هو السبب، يعني مات لأنه يموت. لذلك يخاطب الحق سبحانه الأحياء، بما فيهم سيدنا رسول الله بقوله
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}
الزمر 30 ويخاطبه هو صلى الله عليه وسلم أولاً قبل أنْ يخاطب أمته بهذه الحقيقة. ومعنى ميِّت أي تؤول إلى الموت، فنحن ونحن أحياء ميِّتون أي سنموت، أما الذي مات بالفعل فيسمى مَيْت بسكون الياء، كما قال الشاعر
* ومَا الميْتُ إلاَّ مَا إلَى القَبْر يُحْمَلُ ...
لذلك، فإن العلماء لما أعطوْنَا صورة حِسِّية للموت قالوا مع حياتك التي بدأت انطلق معها سهم الموت إليك، فعُمْرك بمقدار وصوله إليك، فنحن - وإنْ كنا أحياء - ميتون. وقوله تعالى {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ..} سبأ 14 أي دلَّ الجن، فضمير الغائبين في دَلَّهُم يعود على معلوم من السياق الأول في
{وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ..}