* قَوْلُهُ: (مَثْنى وَفُرادى) إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ يَكُونَ وَحْدَهُ، فَإِذَا كَانَ مَعَ غَيْرِهِ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (مَثْنى) وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (فُرادى) فَكَأَنَّهُ يَقُولُ تَقُومُوا لِلَّهِ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ لَا تَمْنَعُكُمُ الْجَمْعِيَّةُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَلَا يُحْوِجُكُمُ الِانْفِرَادُ إِلَى مُعِينٍ يُعِينُكُمْ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
(وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ(53)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الْآخِرَةَ قَرِيبٌ فَكَيْفَ قَالَ (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) ؟
نَقُولُ الْجَوَابَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ عِنْدَ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلم، ومن لَمْ يُؤْمِنْ لَا يُمْكِنُهُ التَّصْدِيقُ بِهِ فَيَكُونُ بَعِيدًا عِنْدَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحِكَايَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ كَانُوا يَقْذِفُونَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَهُوَ الدُّنْيَا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ يَقُولُونَ: (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا) [السَّجْدَةِ: 12] وَهُوَ قَذْفٌ بِالْغَيْبِ مِنْ مكان بعيد وهو الدنيا.
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(54)
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ بَيْنَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْعَوْدِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) وَمَا حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَوْدِ؟
قُلْنَا لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ مَا حِيلَ بَيْنَهُمْ، بَلْ كُلُّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلِكُ طَلَبَ التَّأْخِيرَ وَلَمْ يُعْطَ وَأَرَادُوا أَنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِ الْيَأْسِ وَلَمْ يُقْبَلْ. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .