إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ خَفَّفَ الْأَمْرَ عَلَى عِبَادِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا) فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الشُّكْرَ وَاجِبٌ لَكِنَّ شُكْرَ نِعَمِهِ كَمَا يَنْبَغِي لَا يُمْكِنُ، لِأَنَّ الشُّكْرَ بِالتَّوْفِيقِ وَهُوَ نِعْمَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى شُكْرٍ آخَرَ وَهُوَ بِتَوْفِيقٍ آخَرَ، فَدَائِمًا تَكُونُ نِعْمَةُ اللَّهِ بَعْدَ الشُّكْرِ خَالِيَةً عَنِ الشُّكْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى الشُّكْرِ التَّامِّ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ، فَإِنَّ عِبَادِي قَلِيلٌ مِنْهُمُ الشَّكُورُ، وَيُقَوِّي قَوْلَنَا أَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْكُلَّ فِي قَوْلِهِ: (عِبادِي) مَعَ الْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ، وَعِبَادِي بِلَفْظِ الْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ لَمْ تَرِدْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي حَقِّ النَّاجِينَ، كقوله تَعَالَى: (يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزُّمَرِ: 53] وَقَوْلِهِ: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الْإِسْرَاءِ: 65]
«فَإِنْ قِيلَ» : عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ شُكْرُ اللَّهِ بتمامه لا يمكن وقوله: (قَلِيلٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي عِبَادِهِ مَنْ هُوَ شَاكِرٌ لِأَنْعُمِهِ؟
نَقُولُ الشُّكْرُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ هُوَ الْوَاقِعُ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ، وَأَمَّا الشُّكْرُ الَّذِي يُنَاسِبُ نِعَمَ اللَّهِ فَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، أَوْ نَقُولُ الشَّاكِرُ التَّامُّ لَيْسَ إِلَّا مَنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدِي مَا أَتَيْتَ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ الْقَلِيلِ قَبِلْتُهُ مِنْكَ وَكَتَبْتُ لَكَ أَنَّكَ شَاكِرٌ لِأَنْعُمِي بِأَسْرِهَا، وَهَذَا الْقَبُولُ نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(24)
وَفِيهِ مَسَائِلُ: