* ذَكَرَ فِي حَقِّ دَاوُودَ اشْتِغَالَهُ بِآلَةِ الْحَرْبِ، وَفِي حَقِّ سُلَيْمَانَ بِحَالَةِ السِّلْمِ وَهِيَ الْمَسَاكِنُ وَالْمَآكِلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ وَلَدَ دَاوُودَ، وَدَاوُودُ قَتَلَ جَالُوتَ وَالْمُلُوكَ الْجَبَابِرَةَ، وَاسْتَوَى دَاوُودُ عَلَى الْمُلْكِ، فَكَانَ سُلَيْمَانُ كَوَلَدِ مَلِكٍ يَكُونُ أَبُوهُ قَدْ سَوَّى عَلَى ابْنِهِ الْمُلْكَ وَجَمَعَ لَهُ الْمَالَ فَهُوَ يُفَرِّقُهُ عَلَى جُنُودِهِ، وَلِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ فَتَرَكُوا الْحَرْبَ مَعَهُ، وَإِنْ حَارَبَهُ أَحَدٌ كَانَ زَمَانُ الْحَرْبِ يَسِيرًا لِإِدْرَاكِهِ إِيَّاهُ بِالرِّيحِ فَكَانَ في زمان الْعَظَمَةُ بِالْإِطْعَامِ وَالْإِنْعَامِ.
* لَمَّا قَالَ عَقِيبَ قوله تَعَالَى: (أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ اعْمَلُوا صالِحًا) [سبأ: 11] ، قَالَ عَقِيبَ مَا يَعْمَلُهُ الْجِنُّ: (اعْمَلُوا آلَ داوُودَ شُكْرًا) إِشَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَالِيَّةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مُسْتَغْرِقَةً فِيهَا وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَكُونُ شُكْرًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقِلَّةِ الِاشْتِغَالِ بِهَا كما في قوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) [سبأ: 11] أَيِ اجْعَلْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
* انْتِصَابُ (شُكْرًا) يحتمل أَوْجُهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ جِئْتُكَ طَمَعًا وَعَبَدْتُ اللَّهَ رَجَاءَ غُفْرَانِهِ
وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ شَكَرْتُ الله وَيَكُونُ الْمَصْدَرُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الْفِعْلِ كَقَوْلِ القائل جلست قعودا، وكذلك لِأَنَّ الْعَمَلَ شُكْرٌ فَقَوْلُهُ: (اعْمَلُوا) يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: (اشْكُرُوا)
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ زَيْدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَاعْمَلُوا صالِحًا) [سبأ: 11] لِأَنَّ الشُّكْرَ صَالِحٌ.
* قَوْلُهُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)