قال: لِمَ؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى . قال: نعم يارسول الله ، قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً ، فلمّا دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً.
ومرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أنْ يصل إلى بني قريظة فقال: هل مرَّ بكم أحد؟ فقالوا: يا رسول الله لقد مرَّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك جبرائيل بُعث إلى بني قريظة ، يزلزل بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم ، فلمّا أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها يراقا ، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلّوا العصر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلّين أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة ، فصلّوا العصر بها بعد صلاة العشاء الآخرة ، فما عابهم الله بذلك في كتابه ، ولا عنّفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وحاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وقال كعب بن أسد بما كان عاهده ، فلمّا أيقنوا بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم ، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر اليهود إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي عارض عليكم خِلالاً ثلاث ، فخذوا أيّها شئتم ، فقالوا: وما هنّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدّقه فوالله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل ، وأنّه لَلذي كنتم تجدونه في كتابكم ، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره.