قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب وتسليماً إلى القضاء.
ثم قال تعالى: {مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ} أي: أوفوا بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا.
ثم قال: {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ} أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له على نفسه ، فاستشهد بعض يوم بَدْر وبعض يوم أُحُد وبعض في غير ذلك من المواطن.
{وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} قضاءه والفرغ منه على الوفاء لله بعهده.
وأصل النحب في كلام العرب النذر ، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم ، وقيل: النحب: العهد.
قال الحسن: {فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ} موته على الصدق.
وقال قتادة: على الصدق والوفاء.
قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله ، ومنهم من ينتظر الموت على
ما عاهد الله عليه.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدو بدراً ، فعاهدوا الله إن لقوا قتالاً للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم ، فشهدوا ذلك مع رسول الله ، فمنهم من وفى فقضى نحبه ، ومنهم من بدّل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 15] الآية ، ومنهم من وفى ولم يقض نحبه فهو منتظر للموت.
قال أنس: تغيَّب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيَّبت عن أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن رأيت قتالاً ليرين الله ما أصنع ، فلما كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة فتقدم فقَاتَل حتى قُتِلَ ، فنزلت هذه الآية: {مِّنَ المؤمنين} ، وقال أنس: فوجدناه بين القتلى به بعضاً وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ، فما عرفناه حتى عرفته أخته .
وقيل: معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ} الإسلام.