وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أي فإذا زال ذلك الخوف وأمنوا خاطبوكم مخاطبة شديدة، وآذوكم في الكلام؛ منتقدين معترضين مجرّحين مطالبين راغبين طامعين أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي على المال والغنيمة، قائلين في خطابهم: وفّروا قسمتنا فإنّا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم في الحرب أجبن شيء، وفي السلم أطمع شيء. قال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا في الحقيقة بل بالألسنة فَأَحْبَطَ اللَّهُ
أَعْمالَهُمْ أي فأبطل بإضمارهم الكفر ما أظهروه من الأعمال وَكانَ ذلِكَ أي إحباط أعمالهم عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي هيّنا سهلا عنده
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا أي لجبنهم يظنّون أنّ الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا، مع أنهم قد انصرفوا، فهم يحسبون أنهم منهم قريب، وأن لهم عودة. قال ابن كثير: (وهذا أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف) وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرّة ثانية يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ البادون: جمع البادي وهم المقيمون في البادية، أي يتمنى المنافقون لجبنهم أنهم خارجون من المدينة إلى البادية، حاصلون بين الأعراب؛ ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه الخوف من القتال يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ أي يسألون كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم، وعما جرى عليكم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ وكان قتال ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء وسمعة.
أي ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلا لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة حسنة في أقواله وأفعاله وأحواله صلّى الله عليه وسلم لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي لمن كان يخاف الله، ويخاف اليوم الآخر، أي يأمل ثواب الله، ونعيم اليوم الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً في كل حال في الخوف والرّجاء، والشدّة والرّخاء، في الليل والنهار.