وقد بدأت المعركة ، وسارت في طريقها ، وانتهت إلى نهايتها ، وزمامها في يد الله ، يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القرآني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره. فأسند إلى الله تعالى إسناداً مباشراً كل ما تم من الأحداث والعواقب ، تقريراً لهذه الحقيقة ، وتثبيتاً لها في القلوب ؛ وإيضاحاً للتصور الإسلامي الصحيح.
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود:
وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً.
وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وأرضاً لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديراً..
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين..
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطاً عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدواً ، ولا يمدوا يداً بأذى.
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه!