قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة: هم بنو حارثة ، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها. ثم عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها أبداً. فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم.
فأما يوم أحد فقد تداركهم الله برحمته ورعايته ، وثبتهم ، وعصمهم من عواقب الفشل. وكان ذلك درساً من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد. فأما اليوم ، وبعد الزمن الطويل ، والتجربة الكافية ، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة.
وعند هذا المقطع وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار:
{قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلاً. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ؛ ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} ..
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر ، يدفعها في الطريق المرسوم ، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه ، في موعده ، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. لن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب ، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب ، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءاً أم أراد بهم رحمة ، ولا مولى لهم ولا نصير ، من دون الله ، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلامَ. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله ، في السراء والضراء. ورجع الأمر إليه ، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.