ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار:
{إن يريدون إلا فراراً} ..
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: {إن بيوتنا عورة} ، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا ، فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم صلى الله عليه وسلم فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم. إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.. فردهم..
فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم: {إن يريدون إلا فراراً} ..
ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة ، وخور القلب ، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء ، ولا متجملين لشيء:
{ولو دخلت عليهم من أقطارها ، ثم سئلوا الفتنة لآتوها ، وما تلبثوا بها إلا يسيراً} ..
ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة ؛ ولم تقتحم عليهم بعد. ومهما يكن الكرب والفزع ، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع ، فأما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها.. {ثم سئلوا الفتنة} وطلبت إليهم الردة عن دينهم {لآتوها} سراعاً غير متلبثين ، ولا مترددين {إلا قليلاً} من الوقت ، أو إلا قليلاً منهم يتلبثون شيئاً ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفاراً! فهي عقيدة واهنة لا تثبت ؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة!
هكذا يكشفهم القرآن ؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار.. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد.
ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا ؛ ثم لم يرعوا مع الله عهداً:
{ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. وكان عهد الله مسؤولاً} .