وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها ، والعناصر الحاسمة فيها.. مجيء جنود الأعداء. وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون. ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم ، وبصره بعملهم.
ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير:
{إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ؛ وإذ زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي ، يقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة. إن يريدون إلا فراراً} ..
إنها صورة الهول الذي روع المدينة ، والكرب الذي شملها ، والذي لم ينج منه أحد من أهلها. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب. من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب ؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب ، وظنها بالله ، وسلوكها في الشدة ، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج. ومن ثم كان الابتلاء كاملاً والامتحان دقيقاً. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسماً لا تردد فيه.
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته ، وكل انفعالاته ، وكل خلجاته ، وكل حركاته ، ماثلاً أمامنا كأننا نراه من خلال هذا النص القصير.
ننظر فنرى الموقف من خارجه: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} ..
ثم ننظر فنرى أثر الموقف في النفوس: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} .. وهو تعبير مصور لحالة الخوف والكربة والضيق ، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب.
{وتظنون بالله الظنونا} .. ولا يفصل هذه الظنون. ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج ، وذهابها كل مذهب ، واختلاف التصورات في شتى القلوب.