{وأولئك هُمُ المفلحون} [النور: 51] المفلحون: الفائزون الذين بلغوا درجة الفلاح ، ومن العجيب أن يستخدم الحق سبحانه كلمة الفلاح ، وهي من فلاحة الأرض ؛ لأن الفلاحة في الأرض هي أصل الاقتيات ، وكل مَنْ أتقن فلاحة أرضه جاءت عليه بالثمرة الطيبة ، وزاد خيره ، وتضاعف محصوله ، حتى إن حبة القمح تعطي سبعمائة حبة ، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي من يزرعها كل هذا العطاء ، فما بالك بخالق الأرض كيف يكون عطاؤه؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ}
كان سيدنا الشيخ موسى شريف رحمه الله ورضي الله عنه يدرس لنا التفسير ، فلما جاءت هذه الآية قال: اسمعوا ، هذه برقية من الله تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فأولئك هُمُ الفآئزون} [النور: 52] فلم تَدَع هذه الآية حُكْماً من أحكام الإسلام إلا جاءتْ به في هذه البرقية الموجزة التي جمعتْ المنهج كله .
ومعنى {يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} [النور: 52] آمن بالله وأطاعه وصدَّق رسوله {وَيَخْشَ الله} [النور: 52] أي: يخافه لما سبق من الذنوب {وَيَتَّقْهِ} [النور: 52] في الباقي من عمره {فأولئك هُمُ الفآئزون} [النور: 52] وهكذا جمعتْ الآيةُ المعانيَ الكثيرة في اللفظ القليل الموجز .
ومعلوم أن التعبير الموجز أصعب من الإطناب والتطويل ، وسبق أنْ ذكرنا قصة الخطيب الإنجليزي المشهور حين قالوا له: إذا طُلِب منك إعداد خطاب تلقيه في ربع ساعة في كم تُعِدّه؟ قال: في أسبوع ، قالوا: فإنْ كان في نصف ساعة؟ قال: أُعِدُّه في ثلاثة أيام ، قالوا: فإذا كان في ساعة؟ قال: أُعِدّه في يومين ، قالوا: فإنْ كان في ثلاث ساعات؟ قال: أُعِده الاّن .