وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل أراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله {ولقد أنزلنا آيات مبينات} وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا} [النور: 34] لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق. وقوله {وما أولئك} إشارة إلى الفريق المتولي. وإنما قال {بالمؤمنين} معرِّفاً لأنه أراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم. ويحتمل أن يكون {أولئك} إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله {ثم يتولى فريق منهم} حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض ، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الآية الثانية {إذا فريق منهم معرضون} والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم. ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق. وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين. قال جار الله: معنى {إلى الله ورسوله} إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كقولك"أعجبني زيد وعكرمة". أما سبب نزول الآية. فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة. فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ. قوله {يأتوا إليه} الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى. قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد