وَالسَّرَابُ مَا يُرَى فِي الْفَلَوَاتِ الْمُنْبَسِطَةِ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ يُسَرِّبُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَأَنَّهُ مَاءٌ يَجْرِي. وَالْقِيعَةُ وَالْقَاعُ هُوَ: الْمُنْبَسِطُ مِنَ الْأَرْضِ الَّذِي لَا جَبَلَ فِيهِ وَلَا وَادٍ فَشَبَّهَ عُلُومَ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ عُلُومَهُ مِنَ الْوَحْيِ وَأَعْمَالَهُ، بِسَرَابٍ يَرَاهُ الْمُسَافِرُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَيَؤُمُّهُ فَيَخِيبُ ظَنُّهُ وَيَجِدُهُ نَارًا تَلَظَّى، فَهَكَذَا عُلُومُ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَأَعْمَالُهُمْ إِذَا حُشِرَ النَّاسُ وَاشْتَدَّ بِهِمُ الْعَطَشُ بَدَتْ لَهُمْ كَالسَّرَابِ فَيَحْسَبُونَهُ مَاءً فَإِذَا أَتَوْهُ وَجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ فَأَخَذَتْهُمْ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ فَعَتَلُوهُمْ إِلَى نَارِ الْجَحِيمِ فَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ، وَذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي سُقُوهُ هُوَ تِلْكَ الْعُلُومُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ. وَالْأَعْمَالُ الَّتِي كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَمِيمًا سَقَاهُمْ إِيَّاهُ كَمَا أَنَّ طَعَامَهُمْ مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَهُوَ تِلْكَ الْعُلُومُ وَالْأَعْمَالُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، كَذَلِكَ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103] وَهُمُ الَّذِينَ عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] وَهُمُ الَّذِينَ عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] .
[أَصْحَابُ الظُّلُمَاتِ]