وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للكفار ، يُعَوِّلون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر ؛ أي لم يجدوا شيئاً كما لم يجد صاحب السّراب إلا أرضاً لا ماء فيها ؛ فهو يهلك أو يموت.
{وَوَجَدَ الله عِندَهُ} أي وجد الله بالمرصاد.
{فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي جزاء عمله.
قال امرؤ القيس:
فَوَلَّى مُدْبِراً يَهْوي حَثِيثاً ...
وأيقن أنّه لاقَى الحِسَابَا
وقيل: وَجَد وعْد الله بالجزاء على عمله.
وقيل: وجد أمر الله عند حَشْره ؛ والمعنى متقارب.
وقرِئ"بقِيعَات".
المهدوِيُّ: ويجوز أن تكون الألف مُشْبَعة من فتحة العين.
ويجوز أن تكون مثل رَجُل عِزْهٍ وعِزْهاة ، للذي لا يقرب النساء.
ويجوز أن يكون جمع قِيعة ، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف.
وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة"الظمان"بغير همز ، والمشهور عنهما الهمز ؛ يقال: ظمِئ يظمأ ظَمَأً فهو ظمآن ، وإن خفّفت الهمزة قلت الظمان.
وقوله: {والذين كفروا} ابتداء {أَعْمَالُهُمْ} ابتداء ثان.
والكاف من {كَسَرَابٍ} الخبرُ ، والجملة خبر عن"الذين".
ويجوز أن تكون"أعمالهم"بدلاً من"الذين كفروا"؛ أي وأعمال الذين كفروا كسراب ، فحذف المضاف.
قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ}
ضرب تعالى مثلاً آخر للكفار ، أي أعمالهم كسراب بقِيعة أو كظلمات.
قال الزجاج: إن شئت مثِّل بالسّراب وإن شئت مثِّل بالظلمات ؛ ف"أوْ"للإباحة حسبما تقدم من القول في {أَوْ كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19] .
وقال الجُرْجَانِيّ: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار ، والثانية في ذكر كفرهم ، ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضاً من أعمالهم ، وقد قال تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] ؛ أي من الكفر إلى الإيمان.