أما قوله: {والله سَرِيعُ الحساب} فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب ، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن ، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك ، وأما المثل الثاني فهو قوله: {أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ لُّجّيّ} وفي لفظة (أو) ههنا وجوه: أحدها: اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها: تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها: الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء ، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال: {يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور} [البقرة: 257] أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر ، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها ، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: {نُّورٌ على نُورٍ} [النور: 35] وفي قوله: {يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم} [الحديد: 12] ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: أحدها: