{يُوقَدُ} ذلك المصباح والسراج {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ} ؛ أي: رويت وشربت فتيلته وخيطه من زيت شجرة زيتونة، كثيرة المنافع زرعت على جبل عال، أو صحراء واسعة، فهي ضاحية للشمس لا يظللها جبل ولا شجر، ولا يحجبها عنها حاجب من حين طلوعها إلى حين غروبها. فزيتها أشد ما يكون صفاء. {لَا شَرْقِيَّةٍ} فحسب {وَلَا غَرْبِيَّةٍ} فحسب بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس من حين طلوعها إلى حين غروبها. كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر أحيانًا ويقيم أخرى.
وقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا} ؛ أي: يقرب زيتها. صفة لشجرة أيضًا؛ أي: من شجرة مباركة موصوفة بأنه يكاد زيتها لشدة صفائه {يُضِيءُ} المكان بنفسه {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} أصلًا. وهذه الجملة معطوفة على جملة محذوفة وقعت حالًا، والتقدير: يكاد زيتها يضيء، لو مسته نار ولو لم تمسسه نار؛ أي: تضيء كائنًا على كل حال، من وجود الشرط وعدمه. فالجملة حالية جيء بها لاستقصاء الأحوال، حتى في هذه الحال.
والمعنى: أن هذا الزيت في صفائه وإنارته، يكاد يضيء بنفسه على كل حال؛ أي: سواء مسته النار أو لم تمسسه، وفي"السمين"قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} جواب لو محذوف؛ أي: لأضاء لدلالة ما تقدم عليه.
والمعنى: أي زيتها لصفائه وبريقه ولمعانه، كأنه يضيء بنفسه دون أن تمسه النار؛ لأن الزيت إذا كان خالصًا صافيًا ثم ربي من بعد يرى كأن له شعاعًا، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء. كذلك قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ازداد نورًا على نور وهدى على هدى.
قال يحيى بن سلام: قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له، لموافقته إياه، وهو المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم -:"اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله".