والاستعانة بمالك الملك يستخرج من غيابات الفطر معرفة السر المكنون في العالم
الكلي، فافهم فهمنا الله وإياك عنه، إنه قريب مجبب.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقولوا للعنب: الكَرْم، إنما الكرم قلب المؤمن".
ثم توجيه قوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) بأنها القلوب هو ما
أنزله من أمره وشرعه لها في شرعته التي يسلك إليه عليها في سبيلها إليه
أن يرفع عن الشكوك والتكذيب وأنواع الكفر وضروب الخنا، والعقد على فعل
الفحشاء والمناكير كلها وأنواع البغي، كما أذن لبيوته التي هي المساجد في الأرض
أن ترفع عن التملك والأقذار وغير ذلك، ليذكر (فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) بخفض
الباء (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36) رِجَالٌ).
ثم بمعنى آخر تكون الشجرة المباركة على الاعتبار بأن البيوت هي بواطن
العباد هو الرسول الآتي بالبينات والهدى والوحي، الذي به يكون الاتصال بالله - عز وجل -
وبمعاني أسمائه وصفاته، وبالوحي الذي جاء به من عند الله تتوقد مصابيح الإيمان
في قلب العبد كما في الزيت عمل المصباح الذي يوقده كذلك في سنة الرسول
عمل الإيمان بواسطة الإسلام، وتلك مادته التي بها يضيء وعنها يكون منه ما يكون
بمنزلة التوقد من المصباح، والمصباح لا يضيء إلا بإنارة جعل الله - جلَّ جلالُه - له ذلك لها
آية منه على معالم كريمة من معرفته فيما هنالك وهاهنا.
كذلك القرآن هو القائم للإيمان مقام الشمس، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة
القمر، والعلماء بمنزلة النجوم، فكما أن الشمس لا فعل لها فيما يوجد عنها، وأما
الفاعل على الحقيقة هو منوِّرها وجاعلها سراجًا يستضاء به، كذلك القرآن والسنة
وإن كانا من عند الله فهما للإيمان بمنزلة الشمس والقمر والنجوم للوح الجو،
ليسوا بأنفسهم بمنيرات لنا، بل بإمداد من الله، وإيجاد وإمساك من عنده، كذلك
القرآن والسنة، بل يكونان عمى في حق قوم، هداية في حق آخرين، كالشمس
والقمر والكواكب، ينفع الله بما شاء منها ويضر قومًا في بعض الأحايين، ويمنع