{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} قَالَ: فَمَثَلُهُ مَثَلُ شَجَرَةٍ الْتَفَّ بِهَا الشَّجَرُ، فَهِيَ خَضْرَاءُ نَاعِمَةٌ، لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَتْ، لَا إِذَا طَلَعَتْ , وَلَا إِذَا غَرَبَتْ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْمُؤْمِنُ قَدْ أُجِيرَ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْغِيَرِ , وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهَا فَثَبَّتَهُ اللَّهُ فِيهَا، فَهُوَ بَيْنَ أَرْبَعِ خِلَالٍ: إِنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِنْ حَكَمَ عَدَلَ، وَإِنْ قَالَ صَدَقَ؛ فَهُوَ فِي سَائِرِ النَّاسِ كَالرَّجُلِ الْحَيِّ يَمْشِي فِي قُبُورِ الْأَمْوَاتِ.
قَالَ: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} فَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ: فَكَلَامُهُ نُورٌ، وَعَمَلُهُ نُورٌ، وَمَدْخَلُهُ نُورٌ، وَمَخْرَجُهُ نُورٌ، وَمَصِيرُهُ إِلَى النُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ""
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} قَالَ:"مَثَلُ هَدَاهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَكَادُ الزَّيْتُ الصَّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، فَإِذَا مَسَّتْهُ النَّارُ ازْدَادَ ضَوْءًا عَلَى ضَوْءٍ، كَذَلِكَ يَكُونُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالْهُدَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْعِلْمُ، فَإِذَا جَاءَهُ الْعِلْمُ ازْدَادَ هُدًى عَلَى هُدًى , وَنُورًا عَلَى نُورٍ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَجِيئَهُ الْمَعْرِفَةُ: قَالَ {هَذَا رَبِّي} حِينَ رَأَى الْكَوْكَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ أحَدٌ أَنَّ لَهُ رَبًّا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ رَبُّهُ ازْدَادَ هُدًى عَلَى هُدًى"
قَوْلُهُ: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} قَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ لَا يَفِيءُ عَلَيْهِمَا ظِلُّ شَرْقٍ , وَلَا ظِلُّ غَرْبٍ، ضَاحِيَةٌ، ذَلِكَ أَصْفَى لِلزَّيْتِ.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} . قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَتْ مِنْ شَجَرِ الدُّنْيَا، لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ؛ غَيْرَ أَنَّ الْمِصْبَاحَ وَمَا فِيهِ مَثَلٌ لِفُؤَادِهِ، وَالْمِشْكَاةُ مَثَلٌ لِجَوْفِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.