"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ".
وقع فيه الترديد أربع مرات"."
وفرَّق زكيُّ الدين بْنُ أبي الأصبع بين الترديد، والتكرير بأن اللفظة، التي تكرَّر في الكلام، ولا تفيد معنى زائدًا، تكون تَكْريرًا للأولى. أما اللفظة التي تُرَدَّدُ في الكلام، وتفيد معنى غير معنى الأولى تكون تَرْديدًا لها.
وبعد أن شبَّه الله تعالى الزجاجة، وفيها المصباح، بالكوكب الدريِّ المتلألئ، عاد سبحانه ثانية إلى المصباح، فأخبر أنه:"يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ"
أحسنُ ما يمكن أن يقال في وصفها أنها شجرة:"مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ".
و"زَيْتُونَةٍ"بدل من"شَجَرَةٍ". والمعروف أن شجر الزيتون من أفضل الأشجار؛ لأن كل ما فيه هو ممَّا ينفع الناس: زيته، وخشبه، وورقه، وثمره. أما نور زيته فهو أصفى نور يعرفه المخاطبون بهذا المثل؛ ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذه الشجرة من بين الشجر؛ وإنما لكونها شجرة
"مُبَارَكَةٍ"
ولهذا قدِّم لفظ"مُبَارَكَةٍ"على لفظ"زَيْتُونَةٍ".
وقيل: إنما وصفت بهذه الصفة؛ لأنها تنبت في الأرض، التي بارك الله تعالى فيها للعالمين؛ وهي أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
"وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ" (المؤمنون:20)
وفي إبهام الشجرة، ووصفها بأنها مباركة، ثم الإبدال منها، تفخيم لشأنها. وقد جاء في الحديث مدح الزيت؛ لأنه منها. ومن ذلك ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه من أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:"ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة". وهو في حدِّ ذاته ممدوح، ففي الحديث:"أنه مصحة من الباسور". وقد ذكر له الأطباء منافع كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها.