والعرب إنما تفعل ذلك في الصفة المعرفة اللازمة لموصوفها لزوم اللقب للأعلام؛ كقولهم: {زيدُ بطَّةٍ} . وأصل الكلام: {زيدٌ بطَّةٌ} . أما الصفة، التي لا تثبت ولا تلزم موصوفها، فلا تضاف إلى الموصوف، لعدم الفائدة المخصِّصة، التي لأجلها كانت هذه الإضافة. وهذا يؤكِّد ما ذكرناه أولاً من أن النور وَصْفٌ من أوصاف الله تعالى، قائمٌ به، وملازمٌ له، لا يفارقه أبدًا كنور المصباح .. وبهذا يظهر لك سِرُّ تشبيه مثل نوره جل وعلا بنور المصباح دون غيره من الأنوار.
ثم وصف سبحانه هذا المصباح، فقال:"الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ"
والزجاجة هي القنديل من البِلَّوْر الشَّفَّاف الصافي، جعل فيها المصباح؛ لأن الضوء في الزجاج أظهر وأبين منه في كل شيء. ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفَّاف يظهر فيه النور أكمل ظهور.
ثم وصف الزجاجة، فقال:"الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٍّ"
هذه الزجاجة لصفاء جوهرها، وحسن منظرها، كأنها كوكب دريٌّ. أي: كوكب مضيء متلألئ، يشبَه الدرَّ في صفائه، ولونَ نوره.
وأهدأُ النور، وأجملُه هو ذو اللون الدرِّيِّ. وذهب الجمهور إلى أن المراد بالكوكب الدري - هنا - كوكب من الكواكب المضيئة؛ كالزهرة والمشتري، والثوابت، التي في العظم الأول. ودَرَارِيُّ الكواكب - على ما قيل - عِظامُها.
وفي ذكر المصباح، والزجاجة منكَّرين، ثم إعادتهما معرَّفين، والإخبار عنهما بما بعدهما، مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري، من تفخيم شأنهما، ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، ما لا يخفى حُسْنُه وبَهاؤُه.
ويسمِّي بعض علماء البديع هذا اللون من الأسلوب: طباق التَّرْديد. وعدَّه السيوطي من محاسن الفصاحة، وجعله أبلغَ من التأكيد بتكرير اللفظ، خلافًا لبعض من غلط. وكان قد ذكر من فوائد التكرير: التقرير، والتعظيم، والتهويل. ثم قال:"ومنه ما كان لتعدد المتعلَّق بأن يكون المكرَّرُ ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول. وهذا القسم يسمَّى بالترديد؛ كقوله:"