والمراد بالنار - هنا كما ذكرنا سابقًا - النار الصافية، التي كلَّم الله تعالى بها موسى عليه السلام. فمِثْلُ هذه النار يقال لها: نارٌ ونورٌ، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم. فتلك لا تسمى نورًا. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:"إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (النمل: 7 - 9)
جاء في التفسير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد بقول الله تعالى"مَنْ فِي النَّارِ": الله جل جلاله. وأن المراد بالنار: نوره سبحانه. وأن المراد بقوله تعالى:"وَمَنْ حَوْلَهَا": الملائكة.
هذا قول ابن عباس، وليس قول زيد، أو عبيد حتى يعترض عليه المعترضون! ويدل عليه تنزيه الله تعالى نفسه عقب ذلك بقوله:"وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
ثم إخباره جل وعلا عن نفسه بقوله:"يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"
ويتضح لنا ذلك، إذا علمنا أن النور المضاف إلى الله سبحانه يقع على ذاته المقدسة، ويقع على صفاته القدسية القديمة. ومثله في ذلك نور المصباح.
وكما أن إضافة النور إلى الله سبحانه هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ فكذلك إضافة النور إلى المصباح هي من إضافة الصفة إلى الموصوف. وبيان ذلك: أن الأصل في قولنا: نور الله، ونور المصباح: اللهُ تعالى النورُ، والمصباحُ النورُ. فالاسم الأول منهما موصوفٌ، والثاني صفةٌ ملازمةٌ له، قد أُخْبِِرَ بها عنه. وقد أضيف الثاني منهما إلى الأول بعد أن جرِّد من الألف واللام، لإرادة معنى التخصيص. أي: تخصيص الصفة بموصوفها؛ ونحو ذلك قوله تعالى:"إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ" (الواقعة: 95)
وأصل الكلام: إن هذا لهو الحقُّ اليقينُ. ثم قيل: حقَُ اليقين، بإضافة الأول إلى الثاني.