فلما سألوه عن ذلك قدَّر الله لهم ما يريدون، هم يريدون إحراجه صلى الله عليه وسلم، أن لا يعرف الإجابة، فأعاطهم أملاً ثم قطع الأمل فجأة تعذيباً لهم، فقدَّر على رسوله عليه الصلاة والسلام حين توجه إليه السؤال أن لا يجيب، فليس عنده علمٌ بذلك سابق ولم يعلمه الله بوحي عاجل، فإلى نهاية المجلس وقال لا أدري، ائتوني غداً، ونُسِيَّ بقدر الله أن يقول إن شاء الله، فجاءوا في الغد فلم يجدوا جواباً، ائتوني غداً ولم يقل إن شاء الله، الغد .. الغد، مرت أيام وبدأوا تملأ الفرحة قلوبهم ويتخيل الأمل أمام أعينهم، بعد يومٍ وآخر سنصل إلى ما نريد، ونُظهر محمداً، صلى الله عليه وسلم، بالجهل الكبير أمام أصحابه ونصل إلى غرضنا.
وفجأة يُنزِّل الله عليه آيات قصة أصحاب الكهف فيقصها وكأنما حضرها، وقصة ذي القرنين - الملك الصالح - فيقصها وكأنما كان شاهد عيانٍ عليها، وفي الروح يقول:"قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، فراحوا لليهود وقالوا: أجابنا بكذا وكذا، وقال في الروح:"قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي"، قالت اليهود: أما إنه لو أجابكم عن الروح لما كان نبيّاً، عدم إجابته هنا دليلٌ على نبوته، ومع ذلك لم يؤمن هؤلاء ولا هؤلاء، عميت قلوبهم لعنهم الله، أما إنه لو أجابكم عن الروح لما كان نبياً.
ثم جاء بعدها قول الله تعالى"وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا" [9] ، فمهما كانت الأسباب في يدي لابد أن أقول سأفعل كذا إن شاء الله .. إن شاء الله .. إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله.