كلبهم وهو كلبٌ حيوانٌ في نظرنا غير ناطق ولا عاقل، وإن كانت له في الواقع لغةٌ خاصةٌ به وببني جنسه وعقلٌ يفهم به حياته وأموره، ولكن هو عندنا غير ناطق ولا عاقل بل هو حيوانٌ بهيم، حيوانٌ مستقذر ومع ذلك تجاوب معهم، فلم يخالطهم داخل الكهف وإنما كان لازماً لحدوده فبسط ذراعيه بالوصيد ونام"وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ"أي بسط ذراعيه على باب الكهف، الوصيد هو الباب، بسط ذراعيه هناك ووضع رأسه بين ذراعيه كعادته ونام على باب الكهف، فأكرمه الله تعالى بما أكرم به أصحاب الكهف حين أنامهم أنامه وحين بعثهم بعثه معهم وحفظ الله حياة الكلب فما بالك لو كان إنسانٌ يمشي مع الصالحين لأُكرم بكرمهم فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
الكهف ليس مهيأً ولا معدّاً لحياة ولكن بالإيمان بالله، بتوحيد الله تمت فيه أعظم حياة، أهنأ حياة، من يعيش ثلاثمئة سنين لا يأكل طعاماً ولا يتذوق شراباً؟! كيف يصدق العقل والعلم هذا؟ لقد حدث بالفعل بإعجاز من الله، بأثرٍ من الإيمان بالله والتوحيد لله.
هذا هو الكهف، وأول السورة - كما قلنا - الله تعالى يدعو العباد إلى حمده على إنزال كتاب ليأخذوا به وليزنوا به حياتهم، إذاً هذه السورة كأنها تهدف إلى: أقيموا الوزن بينكم بكتاب الله، أقيموا حياتكم على ميزان القرآن المُنزَّل من عند الله غير ذي عوج، أقيموا حياتكم عليه، ترتقون بحياتكم هذه فوق مستوى الأسباب، فربما تعيش وليس عندك طعام، وربما تعيش وليس عندك شراب ولا تحتاج ويغنيك الله عز وجل، ليست عندك مقومات الحياة وتعيش حياةً أفضل من حياة القصور التي عاشها الكافرون والطغاة.