بالنفي والْإثْبَات لظهوره في الحصر وإلى أن الضَّمير للقرآن فخمه لإضماره من غير ذكر هنا
وذكره في قوله (ولقد صرفنا للناس في هذا الْقُرْآن) لا يفيد فإن الْإنْزَال
من خواصه فيغني عن ذكره وإلى أن الباء للملابسة.
قوله: (المقتضي لإنزاله، وما نزل على الرسول إلا ملتبسًا بالحق الذي اشتمل عليه) المقتضي
لإنزاله أي الْمُرَاد بالحق هنا الْحكْمَة الْإلَهيَّة المقتضي لإنزاله وهي إصلاح الْأَرْض وإشراقها
وتبيين الأحكام التي نيط بها سعادة الدارين، والْمُرَاد بالحق الثاني ما اشتمل عليه من
الأحكام الاعتقادية والعملية فهو مغاير للأول؛ إذ تبيين الأحكام وإشراق الْأَرْض بها مغاير
لنفس الأحكام وإن تلازما مثل تلازم الْإنْزَال والنزول، ولذا أظهر ولم يضمر والشيء إذا أعيد
معرفة يكون عين الأول أكثري لا كلي يعدل عنه بالقرينة، فالحق في الموضعين ضد الباطل
ولكمال الاعتناء لبيان الْقُرْآن جمع بين الْإنْزَال والنزول مع تلازمهما.
قوله:(وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصد من الملائكة، وما نزل على
الرسول إلا محفوظًا بهم من تخليط الشياطين)وما أنزلناه منَ السَّمَاء أي منَ السَّمَاء الدُّنْيَا
إلا محفوظًا بالرصد جمع راصد مثل حرسًا وحارسًا لفظا ومعنى. قوله من الْمَلَائكَة بيان
للرصد وهذا مآل الْمَعْنَى لأن معناه الأصلي وما أنزلنا الْقُرْآن إلا ملتبسًا بالحق(لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه)ولا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات فهو ثابت
على الْحَقيقَة كما أشار إليه الْمُصَنّف بقوله ولعله الخ. وهذا لما كان يحفظ الْمَلَائكَة بحسب
العادة قيل معناه ذلك فالحق أَيْضًا بمعنى ضد الباطل لكن في الموضعين عَلَى هذا التَّفْسير
الحق بمعنى واحد وهو ما اشتمل عليه من الأحكام الْإلَهيَّة فهي باقية عَلَى حالها كما
أنزلت مصونة عن التحريف والتبديل والزّيَادَة والنقصان بأن جعله الله تَعَالَى معجزًا مباينًا
لكلام البشر بحَيْثُ لا يخفى تغيير نظمه عَلَى أهل اللسان. قوله من تخليط الشَّيْطَان متعلق
بـ محفوظًا الثاني، وأما التنازع فلا ينافي من كان له وجه في الْجُمْلَة. قيل ولو قال وما أنزلناه
إلى السماء الدُّنْيَا بدل منَ السَّمَاء لكان إرادة هذا الْمَعْنَى أظهر ولكن لظهوره انتفاء احتمال
تخليط الشَّيْطَان وغيره في عالم السماء لم يفسره به، فعلى هذا لا وجه للتنازع.
قوله: (ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أول الأمر وآخره) فيكون بين الجملتين
تغاير ويكون العطف في موقعه اللائق. والاعتراء بالعين والراء المهملتين بَيْنَهُمَا مثناة فوقية
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصد من الْمَلَائكَة، فعلى هذا يكون الباء في
بالحق للاسْتعَارَة. قال أبو البقاء: وبالحق أنزلناه أي وبسَبَب إقامة الحق أنزلناه فيكون الباء للسببية
متعلقة بـ أنزلناه ومعه الحق أو وفيه الحق، ويجوز أن يكون حالًا من الْفَاعل أي أنزلنا ومعنا الحق.
وبالحق نزل فيه الوجهان الأولان دون الثالث؛ لأنه ليس فيه ضمير لغير الْقُرْآن.