فليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً في هذه المسألة ، فهو كغيره من الرسل الذين عُرِفت عنهم هذه الصفات ، وفي هذا ما يؤكد سلامة الأُسْوة في محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه بشر مثل الذين أرسلنا إليهم من قبله ، إنما لو كانت في محمد خاصية ليست في غيره ربّما اعترضوا عليها واحتجُّوا بها.
لذلك كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه ومع صحابته أنه قال:"إنما أنا بشر يرد عليَّ - أي بالوحي - فأقول: أنا لست كأحدكم ، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم".
فانظر إلى أيّ حدٍّ كان تواضعه صلى الله عليه وسلم؟
ولما اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ..} [سبأ: 8] فردّ عليهم الحق سبحانه بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13]
ثم يتنزّل معهم في هذا التحدي ، ويترأف بهم: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ..} [البقرة: 23]
ثم يناقشهم في هذه المسألة بهذا الأدب الرفيع والنموذج العالي للحوار: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35]
وفي آية أخرى يقول: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25]
فانظر إلى هذا الأدب: رسول الله حين يتحدّث عن نفسه يقول أَجْرَمْنَا {وحين يتحدث عن أعدائه لا ينسب إليهم الإجرام ، بل يقول:} وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ .
هذا كله من الحق الذي جاء به القرآن ليردّ عن رسول الله اتهامات القوم ، وبالله لو نزل القرآن جملةً واحدة ، أكان من الممكن الردُّ على هذه الاتهامات ومجادلة القوم فيما يُثيرونه من قضايا؟