وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلَّمَا خَبَتْ) ، أي: نضجت جلودهم، وسكنت النار (زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) ، أي: نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر؛ كقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) .
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم غير العظام وصاروا فحمًا، سكنت النار؛ فهو الخبت، ثم بدلوا جلودًا غيرها، فتكون وقودًا لها، واللَّه أعلم، وكله واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلَّمَا خَبَتْ) ، أي: كلما أحرقتهم النار، فصاروا رمادًا، خلقوا لها خلقًا جديدًا، فتعاودهم النار فتحرقهم، وذلك قوله: (زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) ، وهو قول اللَّه: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) ، لا تبقي منهم شيئًا إذا أخذت حتى تحرقهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ.: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(98)
أي: ذلك الذي ذكر جزاؤهم (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) ، ثم قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا ...(99)
أي: أو لم يعتبروا، ولم ينظروا أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.
هذا الاعتبار يحتمل وجهين:
أحدهما: أنكم تقرون: أن اللَّه هو خالق السماوات والأرض، وخالقكم، فخلق السماوات والأرض على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتذاء، تقدم وسبق - أعظم وأكبر من خلق من دونه، فمن قدر على إنشاء ذلك، فهو على إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه.
والثاني: تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضًا، فلم يخلقهما للفناء خاصة؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب؛ فدل أنه خلقكم، وخلق السماوات والأرض؛ لعاقبة، وهي البعث.