وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليه في مواضع أخر. لأن قوله تعالى: {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} يفيد تعليل النهي في وقله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه: أن"إن"المكسورة من حروف التعليل. وإيضاحه: أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته.
ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ، ونحوها من الآيات. والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله {أولئك} راجعة إلى {السمع والبصر والفؤاد} وهو دليل على الإشارة"بأولئك"لغير العقلاء وهو الصيحي. ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي:
يا ما أمليح عزلانا شدن لنا ... من هؤلياء كن الضال والسمر
وقول جرير:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
خلافاً لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه"بعد أولئك الأقوام"والعلم عند الله تعالى. انتهى انتهى. {أضواء البيان حـ 3 صـ}