قال القتبي: إن بختنصر غزاهم ، فرغبوا إلى الله ، وتابوا ، فردَّ الله عنهم بعد أن فتحوا المدينة ، وجالوا في أسواقها ، ثم أحدثوا ، فبعث الله إليهم أرميا النبي عليه السلام فقام فيهم بوحي الله ، فضربوه ، وقيدوه ، وحبسوه ، فبعث الله تعالى إليهم عند ذلك بختنصر ، ففعل ما فعل.
وقال الكلبي: لما عصوا الله ، وهو أول الفسادين ، سلط الله عليهم بختنصر ، خرج من بابل فأتاهم بالشام ، وظهر على بيت المقدس ، فقتل منهم أربعين ألفاً ممن كان يقرأ التوراة ، وأدخل بقيتهم أرضه.
فمكثوا كذلك سبعين سنة حتى مات ثم إن رجلاً من أهل همدان يقال له: كورش غزا أهل بابل ، فظهر عليهم ، وسكن الدار ، وتزوج امرأة من بني إسرائيل ، وطلبت إلى زوجها أن يرد قومها إلى أرضهم ، ففعل ، فردهم إلى أرض بيت المقدس ، فمكثوا فيها ، فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه.
ثم عادوا فعصوا المرة الثانية ، فسلط الله عليهم ملكاً من ملوك الروم يقال له: إسبسيانوس ، فحاصرهم سنين ثم مات.
فبعث الله عليهم ابنه ططيوس بن إسبسيانوس ، فحاصرهم سنين.
ثم فتحها بعد ذلك ، فقتل منهم مائة ألف ، وثمانين ألفاً حتى قتل يحيى بن زكريا ، وحبس منهم مثل ذلك ، وخرب بيت المقدس فلم يزل خراباً حتى بناه المؤمنون في زمن عمر رضي الله عنه.
فذلك قوله: {فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما} يقول: أول الفسادين {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} أي: سلطنا عليكم {عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} يعني: ذوي قتال شديد {فَجَاسُواْ خلال الديار} يقول: قتلوكم وسط الأزقة.
وقال القتبي {فَجَاسُواْ} أي: عاثوا ، وأفسدوا.
ويكون جاسوا بمعنى دخلوا بالفساد {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً} يعني: كائناً لئن فعلتم ، لأفعلن بكم.
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ} يقول: أعطيناكم الدولة.
ويقال: الرجعة عليهم.