وقيل: محوه نقصه عما كان خلق عليه من الإضاءة ، وأنه جعل نور الشمس سبعين جزءاً ونور القمر كذلك ، فمحا من نور القمر حتى صار على جزء واحد ، وجعل ما محا منه زائداً في نور الشمس ، وهذا مروي عن عليّ وابن عباس.
وقال ابن عيسى: جعلناها لا تبصر المرئيات فيها كما لا يبصر ما محي من الكتاب.
قال: وهذا من البلاغة الحسنة جداً.
وقال الزمخشري: {فمحونا آية الليل} أي جعلنا الليل ممحواً لضوء مطموسه ، مظلماً لا يستبان منه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ، وجعلنا النهار مبصراً أي يبصر فيه الأشياء وتستبان ، أو {فمحونا آية الليل} التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء انتهى.
ونسب الإبصار إلى {آية النهار} على سبيل المجاز كما تقول: ليل قائم ونائم ، أي يقام فيه وينام فيه.
فالمعنى يبصر فيها.
وقيل: معنى {مبصرة} مضيئة.
وقيل: هو من باب أفعل ، والمراد به غير من أسند أفعل إليه كقولهم: أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء ، وأضعف إذا كان دوابه ضعافاً فأبصرت الآية إذا كان أصحابها بصراء.
وقرأ قتادة وعليّ بن الحسين {مبصرة} بفتح الميم ، والصاد وهو مصدر أقيم مقام الاسم ، وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كقولهم: أرض مسبعة ومكان مضبة ، وعلل المحو والإبصار بابتغاء الفضل وعلم عدد السنين والحساب ، وولى التعليل بالابتغاء ما وليه من آية النهار وتأخر التعليل بالعلم عن آية الليل.
وجاء في قوله: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله} البداءة بتعليل المتقدم ثم تعليل المتأخر بالعلة المتأخرة ، وهما طريقان تقدم الكلام عليهما.