فالجَوابُ: أنَّ الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثِّر فيه فقد بنيامين كل التأثير، ألا تراهُ لما فقده قال: {يا أسفا على يوسف} ، ولم يعرج على بنيامين ولعلَّ يوسف إنَّما وافقه على القعود بوحي، فلا اعتراض.
{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) }
والمعنى: لقد تعدّيت، وظلمت، إن أخذت بريئاً بجُرمٍ صدر من غيره، فقال: {مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} ولم يقل: «مَنْ سَرَقَ «تحرُّزاً من الكذب.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه الواقعةُ من أوَّلها إلى آخرها، تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف مع رسالته الإقدام على التَّزوير، وإيذاء النَّاس من غير ذنب لا سيَّما ويعلم أنَّهُ إذا حبس أخاه عنده بهذه التُّهمةِ فإنه يعظمُ حزنُ إبيه، ويشتدُّ غمُّه، فكيف يليقُ بالرسول المعصوم المباغلة في التَّزويرِ إلى هذا الحدّ؟
فالجَوابُ: لعلَّه تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب، ونهاه عن العفوِ والصَّفح، وأخذ البدل، كما أمر تعالى صاحب موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بقتل من لو بَقِي لَطَغَى وكفَر.
{وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال: الذي جعل الصَّواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟
فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في محلٍّ لم يدخله غيرهم،
فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غالب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع.