وَقَالَ ابْنُ شجرة: (تَصَدَّقْ عَلَيْنا) تجوز عنا، واستشهد بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
تَصَدَّقْ عَلَيْنَا يَا اِبْن عَفَّان وَاحْتَسِبْ ... وَأْمُرْ عَلَيْنَا الْأَشْعَرِيّ لَيَالِيَا
(إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ، يُقَالُ: هَذَا مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أنه على دينهم، لذلك لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ، فَقَالُوا لَفْظًا يُوهِمُهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوهُ، وَهُمْ يَصِحُّ لَهُمْ إِخْرَاجُهُ بِالتَّأْوِيلِ، قَالَهُ النَّقَّاشُ وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ) .
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ(93)
قَالَ ابْنُ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً) قَالَ: كَانَ يُوسُفُ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ قَمِيصَهُ يَرُدُّ عَلَى يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَمِيصُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَلْبَسُهُ اللَّهُ فِي النَّارِ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ كَسَاهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ كَسَاهُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَدْرَجَ ذَلِكَ الْقَمِيصَ فِي قَصَبَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، لِمَا كَانَ يَخَافُ عليه من
الْعَيْنِ، وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأَنْ أَرْسِلْ قَمِيصَكَ فَإِنَّ فيه ريح الجنة، وإن رِيحَ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ يُوسُفَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ يَهُوذَا، قَالَ لِيُوسُفَ: أَنَا الَّذِي حَمَلْتُ إِلَيْهِ قَمِيصَكَ بِدَمٍ كَذِبٍ فَأَحْزَنْتُهُ، وَأَنَا الَّذِي أَحْمِلُهُ الْآنَ لِأُسِرَّهُ، وَلِيَعُودَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، فَحَمَلَهُ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ.
(وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) لِتَتَّخِذُوا مِصْرَ دَارًا.
قَالَ مَسْرُوقٌ: فَكَانُوا ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ.