والرابع: أن المعنى: إِنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم، كقوله: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أي: عند نفسك، لا عندنا.
وقولِ النبي صلّى الله عليه وسلم:
«كذب إِبراهيم ثلاث كَذَبات» أي: قال قولاً يشبه الكذب، وليس به.
قوله تعالى: (قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ(73)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف حلفوا على عِلم قوم لا يعرفونهم؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم ردّوا الدراهم ولم يستحلُّوها، فالمعنى: لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل صاعكم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.
والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر كعموا أفواه إِبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئاً، وكان غيرهم لا يفعل ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحداً.
قوله تعالى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ ياأَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)
«فَإِنْ قِيلَ» : هذا لفظ الشكوى، فأين الصبر؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه شكا إِلى الله تعالى، لا مِنْهُ.
والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا ربّ ارحم أسفي على يوسف.
وذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب الأسف في اللفظ من المجاز الذي يُعنى به غير المظهر في اللفظ، وتلخيصه: يا إِلهي ارحم أسفي، أو أنت راءٍ أسفي، وهذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى سواه، كما قال: «يا حسرتنا» والمعنى: يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال: والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إِذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثِّم ولم يشكُ إِلا إِلى ربه، فلما كان قوله: ( «يا أسفى» شكوى إِلى ربه، كان غير ملوم.