قالوا:يا أبانا , مالك لا تأمنا على يوسف , وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب , وإنا له لحافظون . قال:إني ليحزنني أن تذهبوا به , وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا:لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب , وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . وجاءوا أباهم عشاء يبكون , قالوا:يا أبانا , إنا ذهبنا نستبق , وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب , وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب , قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا ; فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون . .
ثم نلتقي بهذه الشخصية - بكل واقعيتها تلك - وبنوه يراودونه مرة أخرى على السلوة الباقية له . . أخي يوسف . . وقد طلبه منهم عزيز مصر - يوسف - الذي لا يعرفونه ! في مقابل أن يعطيهم كيلا يقتاتون به في السنوات العجاف !
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا:يا أبانا منع منا الكيل , فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون:قال:هلى آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ? فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم , قالوا:يا أبانا ما نبغي , هذه بضاعتنا ردت إلينا , ونمير أهلنا ونحفظ أخانا , ونزداد كيل بعير , ذلك كيل يسير . قال:لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله:لتأتنني به إلا أن يحاط بكم . فلما آتوه موثقهم قال:الله على ما نقول وكيل . . وقال:يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة , وما أغنى عنكم من الله من شيء , إن الحكم إلا لله , عليه توكلت , وعليه ففليتوكل المتوكلون . ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء , إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها , وإنه لذو علم لما علمناه , ولكن أكثر الناس لا يعلمون . .