هذا وأسال الله تبارك وتعالى أن يقبل الصواب، وأن يعفو عن الزلل، فإن الله هو الغفور الرحيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم افتح لنا من كنوز القرآن، وعلمنا من القرآن ما يقربنا إليك وما يرضِّيك عنا يا رب العالمين، اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء همنا وذهاب غمنا وحزننا، اجعله لنا في الدنيا رفيقاً وفي القبر مؤنسًا، وفي القيامة شفيعًا، وإلى الجنة قائدًا، وعلى الصراط مثبتًا، وعلى النار حجاباً مستورًا، إنك أنت الرحمن الرحيم، واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، نحمدك اللهم على خزي الكافرين ونسألك أن تزيدهم خزياً على خزيهم يا رب العالمين، اللهم اخذل الشرك والمشركين، واخز الكفر والكافرين، وأهلك يا ربنا كل من عادى الدين، إنك على كل شيء قدير، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أعمالنا أواخرها، وأوسع أرزاقنا عند كبر سننا، وخير أيامنا يوم نلقاك يا أرحم الراحمين. انتهى انتهى {نور البيان في مقاصد سور القرآن، للدكتور/ عبد البديع أبو هاشم} ...
الهوامش:
[1] أخرجه البخاري (1543) .
[2] أخرجه مسلم (5496) .
[3] انظر - مثلًا - ما أخرجه البخاري (4329) ومسلم (1618) عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت براءة، والبخاري (4600) ، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة،"ما زالت تنزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها ..."، ووقع هذان الاسمان معًا في حديث زيد بن ثابت، قال زيد: فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، حتى خاتمة سورة"براءة"، أخرجه البخاري (4701) .
[4] انظر: المصباح المنير (1/ 47) .
[5] هذه السورة آخر السور نزولًا عند الجميع، نزلت بعد سورة الفتح، في قول جابر بن زيد، فهي السورة الرابعة عشر بعد المائة في عداد نزول سور القرآن، وروي أنها نزلت في أول شوال سنة تسع، وقيل: آخر ذي القعدة سنة تسع، بعد خروج أبي بكر الصديق من المدينة للحجة التي أمره عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: قبيل خروجه، والجمهور على أنها نزلت دفعة واحدة، فتكون مثل سورة الأنعام بين السور الطوال. أهـ التحرير والتنوير (10/ 97) ، وانظر عمدة القاري، للعيني: (18/ 18) .
[6] انظر حديثهم في: صحيحي البخاري (4156) ، ومسلم (2769) ، وانظر: فتح القدير، للشوكاني (2/ 378) .
[7] انظر: التحرير والتنوير (10/ 97) .
[8] أخرجه الترمذي (2910) ، والبيهقي في شعب الإيمان (1831) ، وصححه الألباني في الصحيحة (2/ 267) .
[9] انظر: فتح القدير، للشوكاني (2/ 378) .
[10] أخرجه البخاري، (4364) ، و (4605) .
[11] أخرجه البخاري (4156) ، ومسلم (2769) .
[12] أخرجه مسلم (121) ، بلفظ:"الإِسْلام يَهْدِم مَا كَانَ قَبْله".
[13] لا يعرف بهذا اللفظ، وعلى كل حال فالمعنى صحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (3427) . وانظر صحيح الجامع (6803) ، (3008) .
[14] دلت على ذلك نصوص كثيرة في القرآن والسنة، منها قوله تعالى:"فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" [الأنعام: 118] :"وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا" [هود: 41] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخَمِّر إناءك واذكر اسم الله وأَوْكِ سقاءك واذكر اسم الله» أخرجه أبو داود (3731) ، وصححه الألباني في الإرواء (39) .
وقال: «لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللّهمّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا» . أخرجه البخاري (6388) ومسلم (1434) ، وغير هذين من الأحاديث، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستفتح بها رسائله كما في رسائله إلى الملوك والأمراء، انظر: الحاوي في تفسير القرآن الكريم، للشيخ عبدالرحمن القماش: (ص 98) .
[15] توجه النظر في هذا الأثر إلى جهتين:، - الأولى: جهة الإسناد، - والثانية: جهة المتن.
أما جهة الإسناد، فهذا الأثر أخرجه ابن حبان والحاكم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي وأحمد والطبراني في الأوسط والطحاوي وابن جرير، - وفي الحق - فإن هذا الجانب من المسألة قد بسط أهل العلم من أئمة الحديث البحث فيه، فحصروا طرق الأثر ونقدوها وبينوا درجتها، وملخص كلامهم في سند هذا الأثر، أن مداره على يزيد الفارسي، وهذا الرجل قد اختلف فيه أهل العلم: هل هو ابن هرمز، أو غيره، فإن كان ابن هرمز - كما ذهب الإمام أحمد وابن مهدي - فهو ثقة، ومن الأئمة من فرق بينهما كالقطان وابن معين وغيرهما، وحكم بجهالة الفارسي، ومنهم من فرق بينما غير أنه حسن حديث الفارسي كما فعل أبو حاتم الرازي.
والأثر قد حكم ابن حبان والحاكم بصحته، وحسنة الترمذي وابن حجر، وممن صححه من المعاصرين الشيخ عبد الله الجديع في كتابه مقدمات أساسية، وانتصر له بقوة وأطال فيه، وذلك في بحثه في ترتيب الآيات والسور، وممن ضعفه من المعاصرين الشيخ أحمد شاكر والشيخ شعيب الأرناؤوط والشيخ الألباني ومحققوا المسند رحم الله الجميع.
وفي الحق - فإني لم أجد - في ضوء ما وقفت عليه - عند المصححين لإسناده أو أولئك المضعفين له، ما يقوي قولهم ويسند رأيهم، ولذا أقف معهم - في هذا الجانب - حيث وقفوا، لأني لم أجد ما يرجح كلام أولئك أو أولئك.
الجهة الثانية: النظر في هذا الأثر من جهة متنه.
وهنا - مع الأسف - لا نجد البحث يأخذ العمق والقوة، كما رأينا في كلام أهل العلم المتعلق بإسناد الأثر، وأشير هنا إلى أنني كلفت عددا من الطلاب في الجامعة بدراسة سند الأثر ومتنه، فاقتصر كلامهم على ناحية الإسناد، لأن كلام أهل العلم توقف عند هذا القدر، ولذا فأنني أطرح هذا المسألة عليكم بارك الله فيكم، لنتدارس المسألة ولا سيما من ناحية المتن، فقد ظهر لي أن في المتن نكارة، توجب الحكم بضعفه، وغير خاف أن العلة والشذوذ - التي اشترط أهل العلم سلامة الأثر منها حتى يحكم بقبوله ويحتج به - لا تقتصر على السند، بل للمتن نصيب فيها، ولأهل العلم من أئمة الجرح والتعديل باع طويل في هذا، فرحمهم الله وأجزل لهم المثوبة
إن المتأمل في متن هذا الأثر سيلحظ أمرين مشكلين، فيهما دلالة على نكارته، مما يقوي القول بضعفه:
الإشكال الأول: جاء في الرواية قول عثمان وهو يرد على سؤال ابن عباس: ( .. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم) وفي لفظ: ( .. وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال .. ) إن لفظ الروايتين يدل على ثلاثة أمور:
يدل أولا: على أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين نهاية الأنفال وبداية براءة.
ويدل ثانيا: على أن عثمان قد استشكل هذا الأمر، أي عدم بينانه صلى الله عليه وسلم لأول هاتين السورتين وآخرهما، حتى تردد رضي الله عنه في أمرهما لتشابه قصتهما.
ويدل ثالثًا: على أن عثمان لما رأى هذا التشابه بين السورتين، وعدم بيان النبي صلى الله عليه وسلم لبدايتهما ونهايتهم، اجتهد فقرن بينهما واسقط سطر بسم الله الرحمن الرحيم.
إذا: فعثمان رضي الله عنه هو الذي قام بهذا الأمر - سواء باشره بنفسه أو كلف أحدا من الصحابة به - وهذا أمر مشكل حقا، فإننا نعلم يقينا وبإجماع، أن جمع القرآن الكريم مرّ بثلاث مراحل، جمع النبي صلى الله عليه وسلم وجمع أبي بكر ثم جمع عثمان رضي الله عنهما، ونعلم كذلك بإجماع أن جمع أبي بكر كان مرتب الآيات والسور، وهذه قضية عقلية لا نزاع فيها، لأن جمع السور في مصحف واحد يقتضي أن تكون مرتبة، وإذا صح هذا فهو يقتضي أن سورة براءة والأنفال كان لهما موضع في جمع أبي بكر رضي الله عنه قطعا، سواء على ما هما عليه الآن أو غيره، وهنا يرد علينا أمران:
إما أن يكون عثمان قد وافق أبا بكر في جمعه وترتيبه، ولم يكن الأمر من فعله وإنما هو من فعل أبي بكر وبأمره، وهنا يحق لنا أن نسأل لم نسب عثمان - في هذا الأثر - الأمر له في عدة مواضع: من حيث الاستشكال، ومن حيث تشابه القصة، ومن حيث القيام بالفعل ذاته بأن قرن بين السورتين ثم أسقط البسملة؟ وأرجو إعادة قراءة الرواية مرة أخرى، لقد كان عثمان رضي الله عنه في غنية أن ينسب الأمر له ويتحمله هو، مع أن الذي قام به غيره، ويتأكد هذا إذا علمنا أن ابن عباس قد سأله بصيغة لا تخلو من نوع إنكار قال: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى البراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟) أفلم يكن من الأسلم لعثمان رضي الله عنه أن ينسب الأمر لغيره وقد فعله سواه.
هذا الاحتمال الأول، والاحتمال الثاني: أن يكون عثمان هو الذي قام بهذا الأمر إما مباشرة له أو أمرا به، والإشكال على هذا الاحتمال أكبر من سابقه، لأنه يدل على أن عثمان رضي الله عنه هو الذي استشكل عدم العلم بنهاية الأنفال وبداية براءة، مما حمله على أن يقرن بينهما ويسقط البسملة - كما تدل عليه ظاهر الرواية - وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف كان الأمر قبل أن يتولى عثمان رضي الله عنه الخلافة؟ كيف لم يستشكل أبو بكر والصحابة معه هذا الأمر؟ وكيف جمعوا الناس على مصحف واحد فرق بين الأمصار! وقرأه الناس في خلافة أبي بكر وخلافة الفاروق كلها وقد استمرت نحوا من عشر سنين، بل شطرا من خلافة عثمان، على اعتبار أن جمع عثمان كان بعد معركة أرمينيا.
الإشكال الثاني: نلحظ تعارضًا بين أول الرواية وآخر الرواية، ففي آخر الأثر كان كلام عثمان واضحا، في أن الأمر المتعلق بسورة الأنفال وبراءة كان مشكلا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين آخر الأنفال ولا أول براءة، وكذلك لتشابه قصتهما، وهذا الذي حمله رضي الله عنه على أن قرن بينهما وأسقط البسملة، إذا فعثمان لم يكن يعلم إن كانت الأنفال مستقلة عن براءة أو لا، وهذا يتعارض مع كلام ابن عباس، لأن ابن عباس نص على تسمية براءة ونص على تسمية الأنفال، والنص على تسميتهما يقتضي العلم باستقلالهما عن بعضهما، بل زاد ابن عباس فبين أن الأنفال كانت معروفة التصنيف حيث ذكر أنها من المثاني، وأن براءة كانت أيضا معروفة التصنيف حيث ذكر أنها من المئين، إذا فابن عباس سما السورتين هذا أولا، وثانيا صنفهما، وهذا يقتضي قطعا أنهما معروفتان للناس لا يشتبه عليهم أمرهما، قال ابن عباس: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى البراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما .. وإذا صح هذا فقارنه بقول عثمان في آخر الرواية يظهر لك تعارض ما بين القولين.
وفي الحق فهذان الأمران فيهما إشكال يقوي القول بضعف هذا الأثر، على الأقل من جهة المتن، إن وقع الخلاف في إسناده.
وهناك إشكال ثالث مترتب على الأشكال الأول، حيث يلزم من هذه الرواية عن عثمان، أنه رضي الله عنه هو الذي قام بإسقاط البسملة بسبب المسوغات التي ذكرها له، ونحن نفهم من هذا أن البسملة كانت مثبتة في أول براءة في مصحف أبي بكر رضي الله عنه ثم أسقطها عثمان لما رأى ما بين السورتين من تشابه وعدم بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهما حيث يقول: ( .. فكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم) وفي لفظ: (وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم) وهذا يدل على أن عثمان رضي الله عنه خالف الأمر الذي اجتمع عليه الناس واستقر، وعثمان أجل وأورع من أن يفعل هذا. أهـ من بحث قيّم بعنوان،"دراسة نقدية لأثر عثمان رضي الله عنه في سبب سقوط البسملة من أول براءة، للشيخ ناصر الماجد، وفقه الله، منشورة بملتقى أهل التفسير، ويمكن الرجوع في المسألة لكتاب: فصل الخطاب في سلامة القرآن الكريم لمؤلفيه الدكتور أحمد السيد علي الكومي والدكتور محمد أحمد يوسف القاسم، وكتاب في علوم القرآن عرض ونقد وتحقيق للدكتور أحمد حسن فرحات، وكتاب إتقان البرهان في علوم القرآن، للدكتور فضل حسن عباس."
[16] انظر: الجامع لأحكام القرآن (8/ 3) .
[17] أخرج أبو داود في سننه (788) والبيهقي (2206) عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة - وفي لفظ خاتمة السورة - حتى ينزل عليه َ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وانظر التفسير الصحيح، للدكتور حكمت بشير (1: 73) .
[18] هذا خطأ، فالسورة التي تليها سورة يونس، لا سورة هود، وسيأتي في السورة التالية اعتذار شيخنا رحمه الله عن ذلك الخطأ غير المقصود.
[19] انظر: المعجم الوسيط (2/ 998) .