تناولت هذه السورة من الموضوعات، أولاً تحديد الدستور الأخير في معاملة الكافرين ومعاملة المنافقين، يحدد الله فيها آخر نظامٍ يتعامل به المؤمنون مع الكافرين والمنافقين، لأن الله تعالى شرع ذلك كغيره من الأحكام على مراحل، كان يعذر المنافقين في البداية ويؤخر تعذيبهم ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر عليهم والإعراض عنهم وعدم المواجهة بالقتال، ليترك لهم فرصة ليتوبوا ويرجعوا ويفهموا ويعقلوا، فلما لم يفقهوا ذلك كانت آخر كلمة الأمر بالجهاد، ولكن لا يُقاتَل كل كافر، إنما يُقاتَل من يستحق القتال، وملخص ذلك أن الكافر المسالم له حق الحياة"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" [الكافرون: 6] ، عيشوا بدينكم ونعيش بديننا والحساب يوم القيامة، أما الكافر الذي يطغى بالصد عن سبيل الله، لمواجهة الإسلام بمعنى كلمة الحق أن تدخل البلاد ويسمعها العباد إن قبلوها أو رفضوها فهذا لابد أن يقاوَم، لأنه يمنع الإنسانية من وراءه حقاً عظيماً وهو حق اختيار العقيدة، يعمل على الناس تعتيماً إعلامياً سيئاً قبيحاً حيث يخبئ عنهم أعظم دينٌ وهو دين الحق، فيحرمهم من سماع كلمة الحق، فهذا يُقاوَم وعليه الحرب، وعلى المسلمين أن ينظموا قتالهم في مواجهته، بإمرة أميرهم كما نظم الله تعالى هذا الأمر.
تحدثت السورة عن أصناف الناس الموجودين في مجتمع المدينة فمنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم منافقون يندسُّون في وسط المؤمنين، منهم أعرابٌ يسكنون الصحراء فيهم غلظةٌ وفظاظةٌ، منهم من آمن وكان إيمانه قويًّا، ومنهم من نافق وكفر فكانوا أشد كفراً ونفاقًا، لما فيهم من القسوة الفطرية بحكم طبيعة حياتهم، ومنهم قومٌ لا تعرف لهم هويّة يتقلبون كالحرباء لا يعرف لهم لون ولا هويّة ولا شخصيّة، فهم مرجون لأمر الله، منهم من خلط عملاً صالحاً وآخر سيئًا تراه يفعل هذا ويفعل هذا، أصناف وأشكال مجتمع يموج بأصناف الناس، فحدد الله تعالى معاملة كل صنف ليعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده إلى يوم القيامة، كل له معاملة، وهكذا يعطي الإسلام لكل ذي حقٍ حقّه، ويعامل كل إنسانٍ بقدره، ليست فيه عشوائية ولا همجيّة.