ثم أخبر عن طريق الوصول إلى هذه الأصول بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 20] إلى قوله {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] الإشارة فيها: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الإيمان الحقيقي لا الإيمان التقليدي، {أَطِيعُواْ اللَّهَ} [الأنفال: 20] فيما يدعوكم إلا حضرة جلاله، {وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 20] أي: أطيعوا رسوله الذي أرسله إليكم؛ ليكون داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ولتهتدوا بنور نبوته في متابعته إلى حضرة جلاله، و {وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الأنفال: 20] ولا تعرضوا عن الرسول ومتابعته لكيلا تنقطعوا عن الله وتهلكوا في ظلمات البشرية، {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] بآذان القلوب.
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} [الأنفال: 22] أي: شر من دب في الوجود، {عِندَ اللَّهِ} الأنفال: 22] في مراتب الموجودات، {الصُّمُّ} [الأنفال: 22] عن استماع كلام الحق بسمع القبول والقلوب، {الْبُكْمُ} [الأنفال: 22] عن كلام الحق والكلام مع الحق، وإنما خص الصم والبكم بالذكر؛ لأن الأصم لا بدَّ وأن يكون لكم.
{الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] أي: لا يعلمون لماذا خلقوا وما لهم من الاستعداد في طلب الكمال وانصرافهم في إفساد الاستعداد، فاعلم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم قابلاً للتربية والترقي مستعداً للكمال لا يبلغه الملك والقرب في بدء الخلقة دون الملك وفوق الحيوان، فبتربيته الشريعة يصير فوق الملك فيكون خير البرية وبمخالفة الشريعة ومتابعة الهوى يصير دون الحيوان فيكون شر البرية فيؤول حال من يكون خيراً من الملك إلى أن يكون شر الدواب.