ومن صفاتهم أنهم {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} [الأنفال: 3] أي: يديمونها بملازمة العبودية ظاهراً وباطناً، ولا يشتغلون بطلب الدنيا وإن كانت حاجتهم، قائمة بها لإدامة الصلاة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3] أي: ومما أعطيناهم من غير طلبهم يصرفون في مصالح الدين وحراثة الآخرة وتقرباً إلى الله تعالى، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الأنفال: 4] لاستكمال شرائط الإيمان فيهم بالتحقيق لا بالتقليد، ووقوع نور الحق في قلوبهم، وتهون ظلمة الباطل عنها، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] على قدر استعلاء ذلك النور وتمكنهم في مقام العندية، {وَمَغْفِرَةٌ} [الأنفال: 4] أي: عطف من عواطفه يستر بنوره ظلمة وجودهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] أي: عطاء كريم يناسب كرمه.
ثم أخبر عن تحقيق هذا لنبيه بقوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5] إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] الإشارة فيها أنه تعالى أخرج المؤمنين الذين هم المؤمنون حقاً عن أوطان البشرية إلى مقام العندية بجذبات العناية، {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} [الأنفال: 5] أي: من وطن وجودك {بِالْحَقِّ} أي: بمجيء الحق من تجلي صفات جماله وجلاله.
{وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 5] أي: القلب والروح، {لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] يعني: للفناء من التجلي، فإن البقاء محبوب والفناء مكروه على كل ذي جود.